أحمد بن محمد مسكويه الرازي
53
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
اغترافا ! ! ؟ لن نحاول هنا تفسير سبب هذه الظاهرة أو هذه العقلية التي كانت سائدة في ذلك الوقت . وإنّما الشيء المهم هو الإشارة إلى أهميتها والتركيز عليها كظاهرة ، وذلك من أجل أن نفهم كيف أن مسكويه قد عاش مدة اثني عشر عاما في مثل هذا الجو . فهو يعترف شخصيا بأنه كان « صاحب المهلبي ونديمه لفترة طويلة » . وقد شهد مثلا ذلك المنظر المهيب عندما غضب معز الدولة غضبا شديدا على وزيره الذي بقي جامدا لا يتحرّك . كما وشهد جلسة التحقيق التي أقامها المهلبي لانتزاع الاعترافات من ثلاث شخصيات غنية في بغداد . « 1 » يقول مسكويه عن نفسه : « بأنه في تلك الفترة الواقعة بين عامي 340 - 350 ه كان قد اجتمع مرات عديدة بالقاضي أبي بكر أحمد بن كامل لكي يتدارسا معا تاريخ الطبري » . « 2 » وهذا الاهتمام بالتاريخ كان واضحا لديه ، والدليل على ذلك محادثاته مع الوزير وكبار الشخصيات حول شؤون الدولة . وكانت هذه التحريات الميدانية إذا صح التعبير تشكل أول بلورة لمفهوم التاريخ عنده . فقد كان يؤسس علم التاريخ على الملاحظة العيانية المباشرة ، وعلى التأمل النظري في المعنى الأخلاقي السياسي للشهادات والملاحظات المتجمعة لديه . وأما المرحلة الثانية فقد تمثلت باكتشاف الفلسفة بعد الاحتكاك بابن العميد . فقد وجد ضالّته في ابن العميد الشخص الأكثر تشجيعا له من أجل توكيد ذاته كمثقف
--> ( 1 ) . أنظر « تجارب الأمم » ج 2 ص 146 . ( 2 ) . تجارب الأمم ، ج 2 ص 184 .